في الأنظمة المؤدلجة مثل النظام الإيراني، لا يُقاس أثر الاغتيال بنوعية وعدد من سقطوا، بل بقدرة النظام على تحويلهم إلى رموز. وهنا تتحول الخسارة إلى أداة تعبئة لصالح تماسك النظام والالتفاف الشعبي حوله.
هذا هو الدرس الأكبر الذي تكشفه الحرب الحالية. رغم أن إسرائيل والولايات المتحدة نجحتا تكتيكياً في تصفية المرشد الأعلى علي خامنئي، ثم الدكتور علي لاريجاني، ثم عدد من قادة الحرس الثوري والجيش في ضربات متتالية، فإن النظام لم ينهار. بل على العكس: صعد مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً، وتشكّل مجلس قيادة مؤقت، واستمرت الدولة في إدارة الحرب بكفاءة لافتة.
هذا الفشل الاستراتيجي لـ«استراتيجية قطع الرأس» (Decapitation Strategy) ليس مصادفة، بل نتيجة فهم خاطئ لطبيعة النظام الإيراني. فما الذي يجعل هذه الاستراتيجية، التي نجحت في العراق وليبيا وغيرهما، تتعثر أمام طهران؟
1. نظرية «قطع الرأس»: من كلاوزفيتز إلى جون واردن
تعتمد استراتيجية «قطع الرأس» على فكرة بسيطة وجذرية: إذا ضربت مركز الثقل (Center of Gravity) في الدولة أو التنظيم، فإن الباقي ينهار تلقائياً. طورها كارل فون كلاوزفيتز نظرياً، ثم حدّثها العقيد الأمريكي جون واردن الثالث في نظريته «الخمس حلقات» (Five Rings) التي وضع فيها القيادة السياسية والعسكرية في الحلقة الأولى (الأكثر حساسية).
طبّقت إسرائيل وأمريكا هذه النظرية بكثافة غير مسبوقة في الحرب الحالية: اغتيال خامنئي في الساعات الأولى، ثم لاريجاني، ثم قادة الحرس الثوري والجيش. الهدف المعلن (كما صرح به نتنياهو مرات عديدة) كان «إسقاط النظام أو تهيئة الظروف لإسقاطه».
لكن النتيجة كانت عكسية.
2. ثلاث دوائر للحرب النفسية
تستخدم الاغتيالات كسلاح حرب نفسية متعددة الاتجاهات، تستهدف ثلاث دوائر متزامنة:
أولاً: الداخل الإيراني الهدف: خلق شعور عام بأن «الدولة مخترقة، والقيادة غير قادرة على حماية نفسها». النتيجة الفعلية كانت العكس. تحوّل الشهداء إلى رموز وطنية، وارتفع منسوب التعبئة الشعبية، وأصبحت صور خامنئي ولاريجاني تُرفع في المسيرات بدلاً من أن تُنسى.
ثانياً: المعارضة الإيرانية الهدف: تحفيزها وخلق «لحظة فرصة». لكن المعارضة المنظمة لا تزال ضعيفة ومشتتة، وغياب قيادة بديلة موحدة حال دون استغلال الفراغ. بل إن بعض التيارات المعارضة خافت من «فوضى ما بعد النظام» أكثر مما فرحت بالاغتيالات.
ثالثاً: الجبهة الداخلية الإسرائيلية والأمريكية الهدف: تقديم «إنجازات ملموسة» للرأي العام في حرب طويلة ومكلفة. كل اغتيال يُقدَّم كدليل على أن «الحرب تسير في الاتجاه الصحيح»، فيُحافظ على الدعم الشعبي والسياسي رغم الخسائر في مضيق هرمز والقواعد الأمريكية.
3. لماذا تفشل «قطع الرأس» أمام النظام الإيراني؟
أولاً: البنية المؤسساتية المرنة النظام الإيراني ليس ديكتاتورية فردية. هو منظومة معقدة متعددة المستويات تشمل:
- مجلس الخبراء
- مجلس صيانة الدستور
- الحرس الثوري
- الجيش النظامي
- المؤسسات الدينية والاقتصادية
عند اغتيال خامنئي، انتقلت السلطة فوراً إلى مجلس قيادة مؤقت ثم إلى مجتبى خامنئي. لا فراغ دستوري، ولا انهيار مؤسسي. هذه البنية مصممة أصلاً لامتصاص الصدمات.
ثانياً: البعد الأيديولوجي والديني النظام يعتمد على شرعية دينية–ثورية. الاغتيال لا يخلق فراغاً، بل يخلق شهيداً. والشهادة في الثقافة الشيعية ليست خسارة، بل ذروة التضحية. واقعة كربلاء (الحسين عليه السلام) تُعاد إنتاجها سياسياً كلما سقط قائد. هكذا تحولت صور خامنئي ولاريجاني من رموز سلطة إلى رموز مقاومة، مما عزّز التماسك الداخلي بدلاً من تفكيكه.
ثالثاً: غياب بديل منظم المعارضة الإيرانية (داخل وخارج) غير جاهزة تنظيمياً وسياسياً. لا توجد قيادة موحدة، ولا برنامج انتقالي واضح، ولا دعم شعبي واسع. لذا فإن الاغتيالات، بدلاً من أن تفتح الباب للتغيير، تخلق فراغاً يملأه النظام بقيادات أكثر تشدداً.
4. النتيجة: نجاح تكتيكي… فشل استراتيجي
الاغتيالات نجحت تكتيكياً:
- أضعفت بعض القدرات العسكرية المباشرة.
- أحدثت صدمة نفسية مؤقتة.
- أعطت إسرائيل وأمريكا «صور انتصار» للرأي العام.
لكنها فشلت استراتيجياً في إسقاط النظام. بل قد تكون ساهمت في:
- تعزيز التماسك الداخلي.
- إنتاج قيادات أكثر تشدداً وأقل مرونة.
- رفع منسوب التعبئة الشعبية.
الدرس الاستراتيجي الكبير
استراتيجية «قطع الرأس» فعالة ضد الأنظمة الشخصانية الضعيفة المؤسساتياً (كصدام حسين أو معمر القذافي). أما في الأنظمة المؤدلجة ذات البنية المؤسساتية القوية والشرعية الدينية–الثورية، فهي لا تُسقط النظام؛ بل قد تعيد إنتاج قوته الرمزية والمعنوية.
إيران أثبتت، مرة أخرى، أنها ليست دولة عادية. هي نظام عقائدي مصمم للصمود في الحروب الطويلة. والذي يعتقد أن اغتيال قائد أو عشرة قادة كفيل بإسقاطه، يرتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبه كثيرون قبل 47 عاماً عندما توقعوا سقوط الثورة الإسلامية في أسابيع.
الاغتيالات تُضعف الجسد… لكنها لا تقتل الروح. وفي إيران، الروح هي الأقوى.
*نبض العالم – World Nabd: منصة للتحليل السياسي العميق والأخبار الموثوقة. تابعونا على www.worldnabd.com للمزيد من التحليلات.**



