الثورة التي لم تنتهِ: كيف حوّلت إيران الشرق الأوسط إلى ساحة حرب دائمة

Amrabat
By Amrabat

في الأول من فبراير 1979 عاد روح الله الخميني إلى طهران. في الرواية الإيرانية الرسمية، كانت تلك لحظة تحرير تاريخية: نهاية الاستبداد الملكي وبداية “حكم المستضعفين”.

لكن من منظور إقليمي أوسع، يمكن قراءة الحدث بطريقة مختلفة تماماً.

لم تكن الثورة الإسلامية مجرد تغيير نظام سياسي داخل إيران. لقد كانت إعلان حرب أيديولوجية على النظام الإقليمي بأكمله.

فكرة تصدير الثورة لم تكن شعاراً دعائياً عابراً؛ كانت جزءاً من العقيدة المؤسسة للنظام الجديد. منذ البداية، رأت الجمهورية الإسلامية أن الأنظمة العربية الحليفة للغرب تفتقر إلى الشرعية، وأن إيران الثورية تملك رسالة تتجاوز حدودها.

بعد 47 عاماً، يمكن القول إن هذه الرسالة لم تُصدَّر عبر الجيوش التقليدية بقدر ما انتشرت عبر استراتيجية أكثر تعقيداً: بناء شبكة نفوذ مسلحة عبر المنطقة.

والنتيجة كانت ولادة ما يمكن وصفه اليوم بـ أطول حرب باردة في الشرق الأوسط الحديث — حرب باردة كثيراً ما تتحول إلى ساخنة.

الحرب التي كان يفترض أن تنهي الثورة

في عام 1980 شن العراق حرباً شاملة على إيران. بالنسبة لدول الخليج والعديد من القوى الغربية، كان الهدف واضحاً: احتواء الثورة قبل أن تتحول إلى عدوى سياسية.

لكن الحرب العراقية الإيرانية أنتجت مفارقة استراتيجية كبرى.

بدلاً من إسقاط النظام الجديد، ساهمت الحرب في ترسيخ هويته الثورية.
الحرس الثوري خرج من الحرب ليس فقط كقوة عسكرية، بل كعمود فقري للنظام السياسي والاقتصادي.

بمعنى آخر، الحرب التي كان يفترض أن تنهي الثورة جعلتها أكثر صلابة.

الإمبراطورية التي لا تعترف بحدود

بعد نهاية الحرب، تعلمت طهران درساً أساسياً: لا يمكنها هزيمة خصومها عبر المواجهة التقليدية.

لذلك اختارت طريقاً آخر.

بدلاً من بناء تحالفات تقليدية، بنت إيران شبكة وكلاء مسلحين تمتد عبر المنطقة.
حزب الله في لبنان كان النموذج الأول، لكنه لم يكن الأخير.

في العراق بعد 2003، وفي سوريا بعد 2011، وفي اليمن لاحقاً، ظهرت بنية نفوذ جديدة لا تشبه الإمبراطوريات التقليدية.

إنها إمبراطورية بلا خرائط.

لا توجد حدود رسمية لهذه الإمبراطورية، ولا قواعد عسكرية تقليدية بالضرورة. ما يوجد بدلاً من ذلك هو شبكة من الفاعلين المسلحين المرتبطين بطهران سياسياً وعقائدياً.

وهذه الشبكة منحت إيران ما لم تستطع أي دولة إقليمية أخرى تحقيقه منذ عقود: القدرة على التأثير في عدة عواصم عربية في الوقت نفسه.

الفوضى كفرصة استراتيجية

عندما اندلعت الانتفاضات العربية في 2011، رأى كثيرون فيها بداية تحول ديمقراطي في المنطقة.

لكن بالنسبة لإيران، كان الأمر مختلفاً.

الفوضى الإقليمية خلقت فراغات في السلطة، وهذه الفراغات كانت البيئة المثالية لتوسيع النفوذ.

في سوريا، تدخلت طهران عسكرياً لإنقاذ نظام الأسد.
في العراق، عززت الفصائل المسلحة المدعومة منها حضورها داخل الدولة نفسها.
وفي اليمن، تحول الحوثيون إلى لاعب إقليمي قادر على ضرب العمق السعودي.

بهذه الطريقة، لم تُسقط إيران النظام الإقليمي القديم بالكامل — لكنها أعادت هندسته من الداخل.

نهاية حرب الظلال؟

لسنوات طويلة، ظل الصراع الإيراني مع خصومه يُدار في الظل.

لكن في العقد الأخير بدأت تلك الظلال تتلاشى.

إسرائيل تشن ضربات شبه يومية ضد أهداف مرتبطة بإيران في سوريا.
الحرب السيبرانية بين طهران وخصومها أصبحت علنية.
الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ أصبحت جزءاً من الصراع الروتيني.

بعبارة أخرى، الشرق الأوسط يعيش اليوم لحظة انتقالية:
الحرب غير المعلنة التي بدأت في 1979 تقترب تدريجياً من مرحلة المواجهة المفتوحة.

الحقيقة غير المريحة

من السهل اختزال الصراع الإيراني-العربي في خطاب طائفي بسيط.

لكن الحقيقة أكثر تعقيداً.

إيران لم تنجح فقط بسبب قوتها العسكرية أو شبكاتها الأيديولوجية. لقد نجحت أيضاً لأن النظام الإقليمي العربي نفسه كان هشاً.

الدول المنهكة بالحروب الأهلية، والانقسامات السياسية العميقة، وفشل مشاريع الدولة الوطنية في بعض الحالات — كل ذلك خلق بيئة مثالية لتوسع النفوذ الإيراني.

بمعنى آخر، لم تفرض إيران نفوذها بالقوة فقط؛
لقد دخلت عبر الشقوق الموجودة أصلاً في بنية المنطقة.

السؤال الذي لا يريد أحد طرحه

بعد نصف قرن من الثورة الإيرانية، لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان المشروع الإيراني سيستمر.

السؤال الأكثر إزعاجاً هو سؤال آخر:

هل أصبح الشرق الأوسط نفسه معتمداً على هذا الصراع؟

فالمنطقة اليوم منظمة حول توازنات الصراع مع إيران:
التحالفات العسكرية، سباقات التسلح، وحتى بعض السياسات الداخلية.

وهذا يطرح احتمالاً مقلقاً:

ربما لم تعد الحرب الإيرانية-العربية مجرد صراع يمكن حله.
ربما أصبحت البنية الأساسية للنظام الإقليمي نفسه.

إذا كان الأمر كذلك، فإن الشرق الأوسط لا يعيش فقط في ظل ثورة 1979.

بل ربما لا يزال يعيش داخلها.

**نبض العالم – World Nabd**
منصة للتحليل السياسي العميق والأخبار الموثوقة. تابعونا على www.worldnabd.com للمزيد من التغطيات الدقيقة.

Share This Article
لا توجد تعليقات