في الأيام الأخيرة، انتشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات العربية اتهامات مباشرة لقناة «الحدث» السعودية بأنها نشرت خبرًا يزعم أن «الإمارة الإسلامية» في أفغانستان «شرّعت» ضرب النساء. وسرعان ما تحول الخبر إلى حملة واسعة تتهم القناة بـ«التضليل المتعمد» و«تشويه صورة الإمارة».
لكن عند العودة إلى النص الأصلي للقانون الجنائي الجديد الذي وقّعه هبة الله أخوندزاده في يناير 2026، وإلى التغطية الفعلية للقناة، تظهر الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد «كذب» أو «حقيقة مطلقة». فما الذي حدث فعلاً؟ وهل هناك حملة إعلامية منظمة لتشويه الإمارة، أم أن الأمر يتعلق بتضخيم وتأويل متعمد من الطرفين؟
ما يقوله القانون الجنائي الجديد فعلاً
في بداية يناير 2026، أصدرت الإمارة الإسلامية «لوائح الإجراءات الجنائية للمحاكم» (أو «مبادئ العقوبات في محاكم طالبان» حسب بعض الترجمات)، وهو وثيقة من 119 مادة. من أبرز البنود المثيرة للجدل:
- المادة 32: إذا ضرب الزوج زوجته فأحدث «كسرًا أو جرحًا ظاهرًا أو كدمة واضحة»، وأثبتت الزوجة ذلك أمام القاضي (وهو شرط صعب جدًا في ظل القيود على النساء)، فالعقوبة القصوى هي 15 يومًا سجنًا فقط.
- أما الضرب الذي لا يترك أثرًا واضحًا أو إصابة جسدية شديدة، فلا يُعاقب عليه صراحةً، ويُترك لتقدير القاضي في إطار «التعزير» (عقوبات تقديرية خفيفة أو تهديد أو ضرب رمزي).
- يُصنف القانون العنف إلى درجات (بسيط وجسيم)، ويحدد عقوبات متفاوتة، لكنه لا يمنع الضرب الروتيني أو «التأديبي» طالما لم يصل إلى حد الكسر أو الجرح الواضح.
منظمات حقوقية مثل «رواداري» ومعهد جورج تاون للمرأة والسلام والأمن، وخبراء الأمم المتحدة، وصفوا القانون بأنه يُشرّع «الفصل العنصري الجنسي» ويُبيح العنف المنزلي المعتدل، ويلغي فعليًا قانون منع العنف ضد المرأة لعام 2009.
تغطية قناة الحدث: مبالغة أم تضليل؟
نشرت قناة الحدث (التابعة لمجموعة MBC والمرتبطة بشكل وثيق بالإعلام السعودي) تقارير ومقاطع فيديو استندت إلى تقرير حصري لصحيفة «التيليغراف» البريطانية. العناوين كانت على النحو التالي:
- «طالبان تصدر قانونًا يسمح للرجل بضرب زوجته بشرط ألا يسبب كسورًا»
- «الإمارة الإسلامية تُقرّ عقوبة 15 يومًا فقط على ضرب الزوجة إذا ترك أثرًا»
هذه العناوين ليست كاذبة حرفيًا، لأنها تعكس نصوص المادة 32 بدقة نسبية. لكنها تُقدَّم بطريقة تجعل القانون يبدو وكأنه «يُبيح» الضرب بشكل عام، مع التركيز على الحد الأدنى من العقوبة (15 يومًا) والاستثناءات التي تُبقي معظم حالات الضرب خارج نطاق التجريم.
الانتقادات الشائعة على وسائل التواصل:
- «القناة تقول إنهم شرّعوا ضرب النساء!» (مبالغة شعبية).
- «هذا قانون يُجرّم الضرب بعقوبات مشددة!» (مبالغة مضادة من مؤيدي الإمارة).
الحقيقة في المنتصف: القانون لا يُشرّع الضرب كحق إيجابي، لكنه يُبقي معظم أشكاله خارج التجريم الصريح، ويُعاقب فقط الحالات الشديدة جدًا بعقوبة رمزية.
هل هناك حملة إعلامية منظمة ضد الإمارة؟
منذ عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، واجهت الإمارة الإسلامية حملات إعلامية مكثفة من:
- وسائل غربية وحقوقية (BBC، CNN، Amnesty، HRW) تركز على انتهاكات حقوق المرأة.
- قنوات خليجية (الحدث، العربية، الشرق) تتبنى خطابًا معاديًا للإمارة، خاصة بعد رفض طالبان الاعتراف بالحكومة السعودية كمرجعية دينية أو سياسية.
- وسائل إيرانية وقطرية أحيانًا تُظهر تعاطفًا نسبيًا مع بعض سياسات طالبان.
في المقابل، يتهم مؤيدو الإمارة هذه القنوات بـ«التضليل المتعمد» و«الترويج للإسلاموفوبيا» و«محاولة إسقاط نموذج الحكم الشرعي».
الخلاصة: تضخيم متبادل أم تضليل مقصود؟
- نعم، تغطية قناة الحدث مبالغ فيها وتُقدّم القانون بطريقة تجعله يبدو أكثر تساهلاً مما هو عليه في الواقع (رغم أنه فعلاً متساهل جدًا مع العنف المنزلي).
- لا، القانون ليس «تجريمًا مشددًا» للضرب كما يدّعي البعض؛ هو في الحقيقة تراجع خطير عن أي حماية سابقة للمرأة.
- نعم، هناك تضخيم متبادل: الإعلام المعادي يُبرز الجانب السلبي بأقصى درجة، والمؤيدون ينفون وجود أي مشكلة أصلاً.
في النهاية، القانون نفسه هو المشكلة الأساسية: يُبيح – عمليًا – معظم أشكال العنف المنزلي ضد النساء تحت غطاء «التأديب». أما الإعلام، فيظل أداة في الحرب الإعلامية الدائرة منذ 2021، حيث يحاول كل طرف تقديم روايته كـ«الحقيقة المطلقة».
**نبض العالم – World Nabd: منصة للتحليل السياسي العميق والأخبار الموثوقة. تابعونا على www.worldnabd.com للمزيد من التحليلات.**



