يُقدَّم اتفاق 30 يناير بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» بوصفه خطوة تاريخية على طريق توحيد سوريا وإنهاء واحدة من أعقد حالات ازدواج السلطة التي أفرزتها الحرب. غير أن القراءة السياسية المتأنية تكشف أن هذا الاتفاق، رغم رمزيته، لا يزال أقرب إلى ترتيب اضطراري لإدارة التوازنات منه إلى حل جذري لمسألة السيادة، والسلاح، والقرار الوطني.
فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت «قسد» ستندمج شكلياً في مؤسسات الدولة، بل من سيمسك فعلياً بمفاصل القوة بعد الاندماج، ومن سيتنازل عمّن، وتحت أي سقف سياسي.
من ناحية دمشق، يمثل الاتفاق محاولة لاستعادة السيطرة على محافظة الحسكة بأقل كلفة عسكرية ممكنة، وفي توقيت إقليمي ودولي حساس. الدولة السورية تدرك أن المواجهة المباشرة مع «قسد» قد تفتح باباً لصدام مع أطراف دولية، لذلك اختارت مسار التسوية المرحلية، مع الاحتفاظ بخيار القوة كورقة ضغط مؤجلة.
أما من جهة «قسد»، فالاندماج ليس خياراً طوعياً بالكامل، بل نتيجة تراجع الغطاء الدولي، ولا سيما الأميركي، وتبدل أولويات واشنطن من حماية كيان محلي إلى ترتيب استقرار أمني يمنع عودة «داعش» ويضبط الحدود. في هذا السياق، يبدو الاتفاق بالنسبة لـ«قسد» محاولة للحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ، لا للتخلي عنه.
العائق السياسي الأخطر أمام التطبيق لا يكمن في التفاصيل التقنية، بل في البنية الحقيقية للقرار داخل «قسد». فالقوة الفعلية لا تزال، إلى حد كبير، بيد حزب «العمال الكردستاني»، وهو تنظيم عابر للحدود، لا يتقاطع مشروعه مع فكرة الدولة السورية الموحدة. اندماج «قسد» يعني عملياً إخراج الحزب من أهم مساحة نفوذ إقليمي له، وخسارته مورداً مالياً وعسكرياً واستراتيجياً، وهو ما يجعله غير معني بإنجاح الاتفاق إلا بالقدر الذي يسمح له بإعادة التموضع لا الانسحاب.
من هنا، تبرز مخاوف جدية من أن يتحول الاندماج إلى عملية شكلية: تغيير أسماء، إعادة توزيع رتب، ودمج إداري، بينما تبقى شبكات النفوذ الحقيقية تعمل في الظل، عبر فرض شخصيات موالية، والتحكم غير المباشر بالأمن والاقتصاد المحلي.
على مستوى الدولة، يواجه الاتفاق اختبار السيادة. فلا يمكن الحديث عن اندماج حقيقي في ظل بقاء السلاح الثقيل خارج السيطرة المركزية، أو استمرار معابر وحدود بإدارة غير حكومية، أو وجود قيادات عسكرية أجنبية داخل القرار الأمني المحلي. أي تسوية لا تعالج هذه الملفات ستبقى تسوية هشة، قابلة للانهيار عند أول تغير في المناخ الإقليمي.
إلى جانب البعد الأمني، هناك عامل لا يقل خطورة: الشرعية الشعبية. سكان الحسكة والمناطق المحيطة لن يحكموا على الاتفاق من خلال البيانات السياسية، بل من خلال النتائج الملموسة: الخدمات، الرواتب، إدارة الموارد النفطية، وفرص العمل. إذا عجزت الدولة عن تقديم تحسن فعلي في الحياة اليومية، فإن الاتفاق سيفقد معناه سريعاً، وسيفتح الباب لعودة قوى الأمر الواقع بأشكال جديدة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة اتفاق اندماج «قسد» بوصفه نهاية لمسار، بل بداية صراع سياسي صامت حول شكل الدولة السورية المقبلة: دولة سيادة واحدة وقرار مركزي، أم دولة تسويات مؤقتة تُدار فيها التناقضات بدل حلّها؟
نجاح الاندماج لن يُقاس بعدد الألوية أو المراسيم، بل بمدى قدرة الدولة على فرض مرجعية واحدة للسلاح والقرار، وبمدى استعداد القوى المحلية لفك ارتباطها بالمشاريع العابرة للحدود. دون ذلك، سيبقى الاتفاق مجرد إدارة مؤقتة لأزمة مؤجلة، لا أكثر.
**نبض العالم – World Nabd: منصة للتحليل السياسي العميق والأخبار الموثوقة. تابعونا على www.worldnabd.com للمزيد من التحليلات.**



