تخيّل أنك تعيش في منزلك منذ أكثر من عقد كامل… تمر يوميًا بمرآب السيارة، تضع فيه مفاتيحك، تركن سيارتك، ربما تصلح فيه شيئًا صغيرًا أو تتفقد السيارة قبل السفر… دون أن تعلم — أو ربما تعلم وتتجاهل — أن تحت الأرضية التي تمشي عليها جثة مدفونة. جثة رجل كان يومًا زوجك. هذه ليست قصة خيالية، بل واقعة حقيقية هزت مدينة مرتيل شمال المغرب، وأعادت فتح ملف اختفاء يعود إلى سنة 2012، بعد اعتراف متأخر من شقيق الزوجة أراح ضميره… وكشف سرًا دفينًا لم يكن أحد يتوقعه.
البداية: بلاغ اختفاء عادي… أم تمويه مدروس؟
في سنة 2012، تقدمت امرأة إلى مصلحة الأمن بمدينة مرتيل ببلاغ رسمي: زوجها غادر المنزل فجأة ولم يعد. لا شهود، لا رسائل وداع، لا آثار دماء، لا أي دليل يوحي بجريمة. تم تصنيف القضية كـ”اختفاء غامض”، وبقي الملف مفتوحًا على استحياء، ثم بدأ يغطيه الغبار مع مرور السنوات حتى اعتُبر شبه مغلق في أذهان الكثيرين. الزوجة عادت إلى حياتها اليومية: نفس المنزل، نفس الحي، نفس المرآب… وكأن شيئًا لم يكن.
لكن الحقيقة — كما كشفتها التحقيقات الأخيرة — كانت مدفونة تحت أقدامها.
11 عامًا من الصمت… ثم انهار الضمير فجأة
في الأشهر الأخيرة من سنة 2025، دخل شقيق الزوجة إلى مقر الشرطة القضائية بالقنيطرة. لم يأتِ بسبب خلاف عائلي عادي، ولا بسبب تهديد أو ابتزاز. جاء — حسب إفادته الرسمية — “ليريح ضميره” بعد سنوات من الصراع الداخلي. قال إن شقيقته هي من قتلت زوجها سنة 2012، وإنه كان على علم بالأمر، وساعدها — أو على الأقل سكت — طوال تلك الفترة الطويلة. كلمات قليلة… لكنها كافية لإعادة فتح ملف كان يُعتقد أنه مات إلى الأبد.
كيف اهتدت الشرطة إلى الجثة؟ التنسيق الأمني السريع والتفتيش الدقيق
بمجرد تلقي الاعتراف، لم تتأخر مصالح الشرطة القضائية بالقنيطرة لحظة. اتصلت فورًا بنظيرتها بولاية أمن تطوان — باعتبار أن الوقائع حدثت بمدينة مرتيل — للتحقق من صحة الشهادة والبدء في إجراءات البحث الميداني. تم تشكيل فريق تحقيق مشترك، وبدأت العملية بمراجعة كاملة لملف الاختفاء القديم، ثم الاستماع إلى الزوجة، وأخيرًا التفتيش الدقيق للمنزل.
اللحظة الحاسمة: توجه الفريق مباشرة إلى المرآب — بناءً على إفادة الشقيق — وبعد حفر مدروس ودقيق، ظهرت الرفات البشرية. الجثة — أو ما تبقى منها — كانت مدفونة بعناية فائقة، في محاولة واضحة لطمس معالم الجريمة وإبعاد الشبهات لأطول فترة ممكنة. التحاليل الأولية أكدت أنها تعود للزوج المختفي منذ 2012.
أسئلة كبيرة لا تزال معلقة… وتثير الرعب
التحقيقات لا تزال في بداياتها، لكن الأسئلة التي تطرح نفسها الآن تثير الرعب والتساؤل:
- كيف استطاعت الزوجة أن تعيش 11 عامًا فوق جثة زوجها المدفونة داخل مرآب منزلها؟ هل كانت تنظر إلى المكان يوميًا وتتذكر؟ أم نجحت في دفن الذكرى مع الجثة؟
- هل كان الشقيق مجرد شاهد صامت… أم شريك فعلي في القتل أو في عملية الدفن والتستر؟
- ما هي الدوافع الحقيقية للجريمة؟ خلاف مالي؟ عاطفي؟ تهديد؟ أم شيء أعمق لم يكشف بعد؟
- لماذا انتظر الشقيق 11 عامًا ليتكلم؟ هل ضاق ذرعًا بالذنب فجأة؟ أم حدث شيء جديد دفعَه للاعتراف الآن؟
- هل هناك أشخاص آخرون في العائلة أو الحي كانوا يعلمون وصمتوا طوال هذه السنوات؟
الزوجة وشقيقها الآن تحت تدبير الحراسة النظرية رهن إشارة البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، والتحقيقات مستمرة لتحديد المسؤوليات الكاملة.
لماذا أصبحت هذه القضية حديث الشارع المغربي؟
- 11 عامًا من الإخفاء الناجح داخل المنزل نفسه.
- اعتراف متأخر من أحد أفراد العائلة أراح ضميره.
- جثة مدفونة تحت مرآب السيارة… مكان يمر منه أصحاب البيت يوميًا.
- الطابع النفسي المرعب: كيف يعيش الإنسان مع سر بهذا الحجم لعقد كامل؟
- السياق الاجتماعي: جريمة داخل الأسرة، تستر عائلي، صمت طويل… كلها عناصر تجعل القصة تتجاوز كونها “خبرًا” لتصبح ظاهرة تستحق التأمل.
ضمن سلسلة “ملفات قاتلات من العالم العربي”
هذه الحلقة الثانية عشرة في السلسلة التي نستعرض فيها — بعمق وبدون إثارة رخيصة — قضايا نساء تورطن في جرائم قتل داخل مجتمعاتنا العربية. في الحلقات السابقة تناولنا قضايا من مصر، الأردن، لبنان، تونس، العراق… واليوم نضيف هذه القضية المغربية التي تكشف عن جانب مظلم من الصمت الأسري والضمير المتأخر.
التحقيق مستمر… والعدالة — بعد 11 عامًا من الظلام — بدأت تسلط ضوءها أخيرًا.
هل تعتقد أن الشقيق شريك فعلي أم مجرد ضمير تأخر في الكلام؟ هل يمكن لإنسان أن يعيش فوق جثة مدفونة في منزله لسنوات دون أن ينهار نفسيًا؟
**نبض العالم – World Nabd: منصة للتحليل السياسي العميق والأخبار الموثوقة. تابعونا على www.worldnabd.com للمزيد من التحليلات.**



